الاتحاد العام الطلابي الحر
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 من أخبار الأمير عبد القادر في دمشق 1

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رمح الأقصى
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

ذكر عدد الرسائل : 68
العمر : 23
الموقع : www.syriaroses.com
العمل/المهنة : مسافر إلى المجهول
مستوى النضال : 246
تاريخ التسجيل : 04/03/2010

مُساهمةموضوع: من أخبار الأمير عبد القادر في دمشق 1   الجمعة مارس 05, 2010 9:01 pm

من أخبار الأمير عبد القادر في دمشق

صدر
حديثاً في دمشق كتاب "في ربوع دمشق" لمؤلفه الدكتور فواز منير الرجولة
نقتطف منه الفقرات التالية التي تسلط الضوء على جانب من الحياة الدمشقية
لواحد من أهم أبطال الإسلام المتأخرين الأمير المجاهد العلامة الشاعر
السيد الشريف عبد القادر بن السيد محي الدين الحسني الجزائري.

في سياق الحديث عن السيد سعيد آغا بن قاسم بن ابن قاسم الرجولة(1232-1303ﻫ/1816-1885م) أحد الدمشقيين المقربين من الأمير...

...لا بد
من أن نسلط الضوء على مشروع الأمير عبد القادر السياسي خلال وجوده في دمشق
ودوره في الحياة العامة وأهم الخدمات التي قدمها من الناحية الداخلية
والخارجية.

كان المجتمع الدمشقي يعيش
حالة من التذمر الكامن من الإدارة العثمانية الفاسدة. وقد سبق وصول الأمير
إلى دمشق لجوء عدد من جنوده السابقين إليها هاربين من الاضطهاد الفرنسي،
يقدر عددهم بحوالي ألف مقاتل سابق. كما سبقه إليها أحد معاونيه المقربين
أحمد بن سالم، خليفة الأمير، وهو آخر من صمد بوجه الجيش الفرنسي. وقد مهد
هؤلاء لوصول الأمير وصنعوا سمعته في المجتمع الدمشقي. فهو رجل الجهاد،
العالم والصوفي ورجل الدولة، الذي يبدو بمظهر بطل الهوية العربية و
الإسلامية.

لقد وجد عبد القادر نفسه
إذاً بين رعيته، على رأس طائفة من مواطنيه جلهم من المقاتلين الأشاوس وذوي
الخبرات القتالية العالية، الذين اكتسبوا خبرتهم وأثبتوا قدرتهم في ميادين
القتال، فقد قارعوا أقوى جيش في العالم في حينه وقضوا مضجعه دون أن يتمكن
منهم لمدة سبعة عشر عاماً مدافعين عن الجزائر الحبيبة، وقد اضطر أن يسلم
نفسه عام 1847م/1264ﻫ بعد سقوط «زمالة Smala» عام 1843م/1259ﻫ وخسارة
حلفائه المغاربة في «إيسلي Isly» عام 1844م/1260ﻫ. فسلم نفسه إلى القائد
الفرنسي «لامورسيير Lamoriciere» بعد أن وقع معه اتفاقية تضمن سلامته
وسلامة عائلته وجنوده.

كان يسهر على راحتهم ويؤمن
متطلباتهم وحاجاتهم ويقدم العون خاصة لذوي الحاجة منهم، كان يحبهم، كان
مخلصاً لهم، إنهم رفاقه في الجهاد. لقد عرفهم ورفوه وخبرهم وخبروه في
ساحات القتال والشرف. وكانوا بالمقابل مخلصين له وأوفياء ، واثقين كل
الثقة من صدق قائدهم وعدالة مشروعه وإخلاصه وحكمته. وجاهزين لتقديم الغالي
والرخيص عندما يطلب منهم فهم لا ينتظرون إلا ذلك. ويبدو أن مهمة كبيرة ما
تزال بانتظار هؤلاء المجاهدين الصادقين... وأن صفحات تاريخهم المشرق لم
يسدل الستار عليها بعد...

قال تعالى في الآية33 من سورة الأحزاب:"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلاً (23)الأحزاب 33/23
عندما وصل عبد القادر إلى دمشق، كان واعياً كل الوعي بمكانته وبالدور الذي يمكن أن يطلب منه القيام به. كانت السلطات الفرنسية تراقب تحركاته.
كانت تخشى من النفوذ الذي يمكن أن يصل إليه في المشرق. وكان البعض من
مواطنيه، يعتقد في نيته إقامة دولة إسلامية في سورية. وفي تقرير سري بعث
به « بولاد » إلى حكومته في باريس كتب عن عبد القادر أن رجلاً مثله عنده
القدرة والإمكانية " سواء كأداة أو كحليف، أن يؤثر ببعض الثقل في الميزان
الذي سيحدد توجهات ومصير الإمبراطورية العثمانية..."4.

لقد دفع به الدور الذي لعبه
في حوادث عام1860ﻫ في دمشق إلى الصف الأول على الساحة الدولية. وظهرت من
جديد الفكرة، التي لم تزل غير واضحة، حول إنشاء تجمع جيوسياسي كبير يكون
الأمير زعيمه. وها هي تظهر بعض المنشورات تحت عنوان «عبد القادر، إمبراطور
العرب». عبد القادر يفكر في طلب دعم صديقه نابليون الثالث لملئ منصب
«الخليفة حامل رسالة السلام». لكنه سرعان ما ترك هذه الفكرة، بعد أن أدرك
أن صداقة هؤلاء الزعماء الغربيين ما هي إلا نوع من الاحتواء. وأنهم لا
يمكن أن يتجاوزوا استراتيجيات بلدانهم ومصالحها والتي تتمثل بالدرجة
الأولى بالنسبة للعالم العربي والإسلامي في عرقلة أي مشروع يهدف إلى توحيد
هذه الأمة.

نحن إذاً أمام البراعم
الأولى للفكرة التي تهدف إلى لم شتات الأمة العربية والإسلامية واستعادة
مكانتها وكرامتها. إنها فكرة الوحدة العربية والإسلامية. وهنا يطفو إلى
السطح المشروع السياسي الذي يحمله معه الأمير العظيم .

ولكن رغم الظروف التي دفعت
بالأمير لطرح هذه الفكرة لمحاولة وضعها قيد التنفيذ، حيث اعتقد أن حجم
الخدمة التي قدمها في حوادث الستين، وتدفق الأوسمة والوفود للتعبير عن
الشكر والامتنان والعرفان بالجميل... ومن أبرز ما قدم له «وسام جوقة
الشرف» وهو أعلى وسام في الدولة الفرنسية، والأوسمة من الدرجة الأولى
الروسية والبروسية واليونانية والعثمانية والسردينية وحتى من البابا « بي
التاسع Pie IX » وقدمت له ملكة بريطانية بندقية مرصعة بالذهب. أمام كل ذلك
اعتقد الأمير أنه الآن يتمتع بمصداقية كافية وأن الحذر منه قد تراجع. ولكن
كل ذلك، ما كان ليجعل الغرب، هذا الخصم اليقظ، يتراجع ذرة أمام مثل هذا
المشروع الذي يحمله الأمير...

يبدو أن الأمير مرة أخرى،
كان سابقاً لزمانه، فقد كان على العرب أن ينتظروا، حدثاً عظيماً هز العالم
كله وأعاد بناءه، هو قيام الحرب العالمية الأولى عام1914م، لتطرح من جديد
هذه الفكرة بمباشرة الشريف حسين بن علي ولتلقى من جديد تآمر المتآمرين
وخداع المخادعين...

ومن مواقفه السياسية، في
عام1294ﻫ/1877م بعد أن انتصر الروس على الدولة العثمانية عقد زعماء بلاد
الشام مؤتمر دمشق السري للنظر في استقلالها عن العثمانيين. وقر رأيهم على
تنصيب الأمير عبد القادر أميراً عليها، لأنه الشخصية التي تستطيع إقناع
الأتراك بحق العرب بالاستقلال، وهو الذي يمكن أن تتفق عليه كلمة الدول
الأوروبية ذات المصالح المتصارعة في المنطقة بعد مواقفه المشهورة. خاصة
أنه كان أمير الجزائر وأنه شريف النسب وعالم رفيع القدر تنضوي تحت لوائه
مختلف الطوائف. ولكن الأمير رغب ببقاء الارتباط الروحي بين بلاد الشام و الخلافة العثمانية،
وأن يبقى السلطان العثماني سلطاناً على الشام أيضاً وأن يبايع أهل الشام
له ( للأمير ). ولكن الدولة العثمانية قويت بعد ذلك وتولى السلطان عبد
الحميد الثاني، وتقدمت بالأمير السن، فطويت صفحة المؤتمر وجمّد المشروع1.

ونعتقد أن موقف الأمير هذا
يحمل الجواب على تساؤل الباحثة ليندا شيلشر عندما قالت: "...ويلوح أنه كان
مقدراً له أن يضطلع بدور سياسي محوري. ويبقى أمر عدم قيامه بذلك الدور
واحداً من ألغاز سياسة دمشق في أواخر القرن..."2
فالأمير كان سياسياً ماهراً، ولكن كان لديه مبادئ لا يقبل اختراقها... فلن
يكون هو الرجل الذي يتكئ عليه الغرب ليمزق وحدة العالم الإسلامي... وهو ما
يفسر هذا اللغز الذي حيّر الباحثة المذكورة...

ولكن ما هو هذا الدور الكبير
الذي قام به عبد القادر ليجعله يطرح مشروعه بهذه الثقة والجرأة رغم علمه
بالمعارضة الواسعة التي تنتظره؟

يقول الدكتور عبد الكريم رافق في حديثه عن حوادث الستين: "...وأدى التدخل الأوروبي،
وتأزم العلاقات الطائفية في أعقاب انسحاب قوات محمد علي باشا، وعودة
العثمانيين بصورة أقوى من ذي قبل، ومحاولة الملتزمين وأصحاب الإقطاع إعادة
فرض نفوذهم، وتباين الثروات بين الفئات الاجتماعية الذي بدأ إبان الحكم
المصري، كل ذلك أدى إلى اضطرابات اجتماعية واسعة في بلاد الشام بدأت في
جبل لبنان...

...وحين انتقلت الثورة إلى
المناطق الدرزية في الجنوب، حيث ثار الفلاحون الدروز والموارنة، ضد
الإقطاعيين، الذين كان معظمهم من الدروز، تدخلت القوى الإقطاعية
والعثمانية والأوروبية المتربصة لتحرف ثورات التحرر هذه عن مسارها وتحولها إلى حرب طائفية.

وأثارت هذه القوى ذاتها
الاضطرابات الطائفية في دمشق عام1860، ومن قبلها في حلب عام1850، مستغلة
الأزمة الاقتصادية، وتباين الثروات بين حرفيين، من مختلف الطوائف، ازدادوا
فقراً، و بورجوازية محلية ناشئة، من مختلف الطوائف أيضاً، ازدادت ثراءً
بفعل المتاجرة مع أوروبا.

ووقف علماء دمشق وأعيانها،
وعلى رأسهم الأمير عبد القادر الجزائري ضد مفتعلي الاضطرابات الطائفية
وأوقفوها ليقطعوا الطريق على القوى الداخلية والخارجية المستفيدة من ذلك3."

نلاحظ من كلمات الدكتور رافق أهمية الدور الأوروبي في إشعال الفتنة و تأجيجها و حرفها عن مسارها لإعطائها المنحى الطائفي.
ومن البديهي أن لهذه القوى
مطامع ومصالح في المنطقة، تريد تحقيقها أو على الأقل الاقتراب منها من
وراء موقفها هذا. فأهمية المنطقة الإستراتيجية غير خافية والقوى الغربية
ما انفكت تخطط للحصول على موطئ قدم فيها منذ مئات السنين وهي تراقب
المنطقة بعين يقظة لاستغلال أدنى فرصة للتدخل وزيادة نفوذها فيها.

ولم يزل الغرب ينظر بعين
الدهشة إلى تعايش أهل المنطقة بسلام وانسجام بأديانهم وطوائفهم وأعراقهم
المختلفة. و يبدو أن هذا أمر غريب وعسير الهضم على الثقافة الغربية. لذلك
كانت طريقتهم الأولى في التدخل في المنطقة هي محاولة زرع بذور الفتنة بين
أهلها وإشعال الاضطرابات الطائفية بسياستهم المعروفة ﺒ«سياسة الأقليات».

ما الذي يقصده الدكتور رافق
عندما تحدث عن علماء دمشق وأعيانها وموقفهم"ليقطعوا الطريق على القوى
الداخلية والخارجية المستفيدة من ذلك"؟

بالنسبة لأمة قوية
تعبير«الأقليات» يعني الذريعة للتدخل في شؤون دولة مجاورة واغتصاب بعض
أراضيها. أما بالنسبة لأمة ضعيفة أو حديثة النشأة، فالتعبير له وقع سيء
عليها، فعندما يطرح موضوع الأقليات فهذا يعني أن مشروعاً تقسيمياً يدبر
لها.

وكانت بلاد الشام عبر
التاريخ من أكثر الدول التي أثارت اهتمام حماة الأقليات بدءاً من نبوختنصر
مروراً بهولاكو وتيمورلنك وغيرهم من الغزاة.

عندما أرادت روسيا السيطرة
على المضائق، ادعت «حماية الأقليات» في تركيا وكانت بداية هذه الحماية
«معاهدة كوتشوك-كايرنادجي» عام1774م أما نهايتها فكانت سقوط الإمبراطورية
العثمانية وتفتيتها.

إن هدف هذه المشكلة عبر
القرون كانت دائماً تعبئة الناس بعضها على بعض وتمزيق الشعوب والتحريض على
التمرد والجرائم السياسية والتأثير على مصير الأمم. لقد كانت دائماً
الأقليات موضوع الحماية هي الضحية الأولى لهذه السياسة. ويلاحظ أن
الأقليتين اللتين حظيتا بالحصة الأكبر من هذه الحماية، اليهود والأرمن،
هما اللتان كانتا الأكثر عرضة للتنكيل.

لقد كان هدف فرنسا من تأجيج
أحداث الستين وإعطائها المنحى الطائفي هو إيجاد الذريعة للتدخل العسكري
المباشر في بلاد الشام بدعوى «حماية الأقليات».

لقد دعا الأمير عبد القادر
أهل الشام إلى العقلانية والتسامح قائلاً: "يجب أن لا يغيب عن ذهنكم أن
أوروبا لن تبقى مكتوفة الأيدي تجاه الأذى الذي ستلحقونه بالمسيحيين الذين
يعيشون بسلام بينكم. فكروا، فكروا! لا تجعلوا تصرفاتكم تؤدي إلى تعيين
مطران في الجامع الأموي الكبير الذي كان قبلاً كنيسة!"4

لم يلقى هذا النداء آذاناً
صاغية. حذر الأمير قنصل فرنسا «لانوس» من خطورة الوضع، الذي قابل مع
زملائه من القناصل الأوروبيين الوالي أحمد باشا، طالبين اتخاذ الإجراءات
اللازمة لمنع انتشار الفتنة من جبل لبنان إلى دمشق.

لكن جناح المحرضين كان أقوى
وأصحاب المصالح من الإقطاعيين ومن وراءهم من الأوربيين الراغبين
بالاستفادة من الفتنة ليدخلوا بجيوشهم إلى المنطقة وبالتواطؤ مع الوالي
العثماني، أحمد باشا، الذي ينتمي للفريق الرافض للإصلاحات التي باشر بها
السلطان والراغب من وراء تأجيج هذه الفتنة الضغط لوضع حد لها. وبذلك التقت
مصالح هذه القوى الثلاث وإن اختلفت الأهداف.

اندلعت الفتنة في أزقة دمشق
في 9تموز، وسرعان ما خرجت الأمور عن سيطرة قوى الأمر الرسمية وتطورت
الأمور إلى مذبحة عظيمة. وعاد الأمير من فوره من منزله الصيفي في دمر،
وتوجه إلى القنصلية الفرنسية مصطحباً حوالي أربعين رجلاً من قواته
المغاربة. أنقذ القنصل ثم زملاءه من قناصل روسيا وأميركا واليونان وأدخلهم
إلى بيته تحت حمايته.
توجه
بعد ذلك، مخاطراً بحياته، مع ولديه الأمير محمد والأمير هاشمي لمقابلة
زعماء الأحياء والعلماء والمفتي محاولاً الوصول إلى وسيلة لتهدئة الغوغاء
والجهلة والمجرمين الذين استغلوا الفوضى السائدة للقيام بأعمال القتل
والنهب والسرقة... حاول مقابلة الوالي احمد باشا في القلعة... دون جدوى.
اشتعلت الحرائق ودمرت البيوت على رؤوس ساكنيها...

استنفر قواته من المجاهدين
السابقين، تقلد سيفه وامتطى جواده، ووضع بسرعة مع ضباطه، الأغوات، الخطة
المناسبة للسيطرة على المدينة وإخماد الفتنة. نشر جنوده بشكل مجموعات
مؤلفة من ثلاثين إلى أربعين رجلاً في أحياء دمشق. وكان مجرد وجودهم يبعث
على الرهبة ويرغم المشاغبين على التراجع. أنقذ المسيحيين بالآلاف، وأمَّن
لهم الملجأ الآمن بحراسة مقاتليه الأشاوس. تولى بنفسه إنقاذ الإرساليات
الدينية: مؤسسة راهبات الرحمة ودير العذريين ودير الأرض المقدسة... كتب
المترجم «بيلمار» الذي عايش هذه الأحداث:

" لقد كان استعراضاً عظيماً،
مرور حفيد النبي، في شوارع دمشق المليئة بالدماء، محاطاً بالقساوسة
والراهبات والأطفال الذين انتشلهم من الموت، وجنوده المجاهدين القدامى
الذين يحمونهم من القتلة..."

قدر عدد النصارى من القناصل
وأعيان النصارى والرهبان والراهبات... الذين أنقذهم الأمير
بين11000و13000، لقد استقبل في منازله الخاصة أربعة آلاف. واستطاع أن يفتح
أبواب القلعة لاستقبال اللاجئين... كما لجأ نصارى الميدان إلى حي السويقة
وخان المغاربة واستشهد عدد من المجاهدين القدماء أثناء الدفاع عنهم.

وفي اليوم الثالث من الفتنة،
التي استمرت فوعتها سبعة أيام حتى 16تموز، تجمع الغوغاء في حي العمارة
بغية اقتحام بيت الأمير. فخرج إليهم، ولما التقى بهم انصرفوا قاصدين بيوت
أعيان المسلمين الذين شاركوا الأمير في حماية النصارى للفتك بمن احتمى
بها. فأرسل هؤلاء الأعيان إلى الأمير يطلبون النجدة، فبعث إلى كل منهم
جماعة من رجاله.

وطلب منه جماعة من النصارى أن يؤمن لهم طريق الوصول إلى بيروت ففعل وأبلغهم مأمنهم.
أرسلت بعد ذلك قوة لحفظ
الأمن من استانبول بقيادة وزير الخارجية فؤاد باشا، و جرت محاكمة
المسؤولين، أعلنت الأحكام العرفية، وسجن الآلاف من الناس ونفي جماعة من
الأعيان.

وتلقى الأمير تعابير الشكر
والامتنان والأوسمة والنياشين. وكتب إلى صديقه نابوليون الثالث معبراً عن
شكره على الوسام الذي قلده إياه قائلاً:"أنا لم أقم إلا بواجبي الذي يمليه
علي الدين الإسلامي* والإنسانية".

ومن أكثر ما أثار مشاعره ما
كتبه له الأمير شامل، بطل الاستقلال في القوقاز، المنفي، من روسيا، مذكراً
بالحديث الشريف: "من ظلم معاهداً فأنا حجيجه يوم القيامة" أو بما معناه.
ووقع في آخره: "شامل الغريب".

فأجابه الأمير:"إننا نعيش في
زمن لا ينتصر فيه للعدالة إلا القليل من المؤمنين. البسطاء اعتقدوا أن
الفظاظة والقسوة والظلم والإقصاء من الإسلام. ليمدنا الله الذي نعبده بما
يكفي من الصبر"4

وحصل ما توقعه الأمير قبل
بداية الفتنة. في صيف عام 1277/1860م أخذت تتكاثر في باريس المناشير
والمطبوعات التي تتحدث عن المسألة الشرقية والتي ورد فيها أنه حلّت ساعة
تقسيم الإمبراطورية العثمانية5. أرسلت فرنسا إلى
بيروت أثناء الأحداث عشرة آلاف جندي بقيادة الجنرال «بوفور». وبعثت بقية
الدول مراكب حربية ومعتمدين لمراقبة ما سيفعله فؤاد باشا. وفي أثناء ذلك
حصل خلاف بين الوزير المذكور والجنرال الفرنسي. فبعث الجنرال رسولاً إلى
الأمير عبد القادر يخبره بأنه قرر ضرب دمشق من جبال الصالحية ونصح له أن
يخرج منها بأهله فاغتم الأمير واجتمع به في قب الياس، وأظهر له سوء
العاقبة من ضرب المدينة. فأصر على موقفه ، فهدده الأمير حتى عدل عن فكرته
وسلم الله دمشق1.

حين حصلت فرنسا على موافقة
الدول الكبرى للتدخل العسكري في سوريا، كان هناك معارضين بينهم على رأسهم
انكلترا. وما كان مواتياً للدبلوماسية الفرنسية، هو أن رأياً عاماً
أوروبياً واسعاً تعاطف مع المسيحيين المعرضين للمعاناة، وبمزاج معاد
للأتراك، ولم يستطع خصوم التدخل إلا أن يأخذوا هذه النقطة بعين الاعتبار5. من هنا يمكن أن نفهم أهمية هذا الموقف للأمير الذي جاء ليرجح من جديد كفة معارضي التدخل الفرنسي.

وهكذا، صدقت توقعات «بولاد»،
وأثر الأمير بثقله على مصير الإمبراطورية العثمانية، فقد رد، من جديد عن
الشام، إحدى أهم ولاياتها، غزو الجيش الفرنسي، كما ردته أسوار عكا
ومجاهديها منذ إحدى وستين عاماً عندما حاول اقتحامها بقيادة «بونابرت» عام
1799م/1214ﻫ. وأصبح على الفرنسيين أن ينتظروا الفرصة المقبلة لتحقيق
أهدافهم في المشرق.

الأمير كان يعي إذاً، معنى
صداقة نابليون الثالث وغيره من زعماء الغرب. إنها معركة دبلوماسية
وسياسية، هم يريدون أن يستفيدوا من رصيد الأمير الشعبي وهو يريد أن يستفيد
منهم لخدمة أمته وشعبه. فسح لهم مجالاً للمناورة معه وناور معهم. ولكن
هناك حدوداً لا يمكن السماح بتجاوزها. هكذا نفهم علاقة الأمير مع فرنسا
والغرب بعد خروجه من الجزائر6. وسنرى مثالاً آخراً على ذلك عندما تدخل لديهم لتحرير الأمير شامل.

وأدت هذه الأحداث إلى قيام
نظام المتصرفية في لبنان وعين عليه متصرفاً مسيحياً عثمانياً مرتبطاً
مباشرة باستانبول. كما أعيد تنظيم بلاد الشام إدارياً.

ومن الناحية الفكرية ظهرت
حركة تستوحي الفكرة العربية للتخلص من خطر الطائفية. وبدأ يتضح التمايز
بين الرابطة العربية والرابطة الإسلامية وازدادت الدراسات في مجال الوعي
القومي العربي.

وأخذ بعض رواد النهضة منحى
الرابطة الإسلامية كجمال الدين الأفغاني(1839-1897م) ومحمد
عبده(1849-1905م) وآخرون اتجهوا نحو الرابطة العربية كناصيف
اليازجي(1800-1871م) وبطرس البستاني(1819-1883م) أما الاتجاه الثالث فجمع
بين الاتجاهين ويمثله عبد الرحمن الكواكبي(1849-1902م)3...

ويبدو أننا لازلنا نعيش
تداعيات هذه الأحداث حتى الآن. فالذين حرضوها وأشعلوها وأججوها لا يريدون
أن يطووا صفحتها لأنهم لم يستنفذوا جني المغانم منها بعد.

ومن الناحية الخارجية كان من
أبرز ما قام به الأمير عبد القادر خلال وجوده في الشام هي رحلته الشهيرة
التي قام بها ساعياً لتحرير المجاهد الكبير الأمير شامل من الأسر الروسي.

لقد مر معنا قبلاً الكتاب
الذي أرسله شامل إلى عبد القادر معرباً عن تأييده لموقفه في حوادث الستين.
وجواب الأخير له. إلا أن الأمر لم يكن على هذا الجانب من البساطة. ويبدو
أن عبد القادر، قد فهم البعد الآخر لهذا الخطاب. إنه حوار بين رجلين من
أعظم أبطال الإسلام المتأخرين. يحملان الثقافة نفسها بكل عمقها وأبعادها،
ويكفي التلميح البسيط لفهم القصد. ولنرتفع بفهمنا إلى هذا المستوى من
الثقافة العالية والمشاعر الإنسانة الجارفة لا بد لنا من أن نتذكر الآية42
من سورة يوسف :

قال تعالى:" وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42)"يوسف 12/42
ألا يذكر شامل في هذا الخطاب
نفسه عند عبد القادر؟ لقد بعث شامل هذا الخطاب من الأسر في السجون
الروسية. ومن لشامل غير عبد القادر؟ وكان هذا كافياً ليفهم الأمير أنه
دعوة إلى النجدة! وتحيَّن عبد القادر الفرصة المواتية ليلبي نداء
الاستغاثة هذا...

الأمير شامل من أكبر أبطال الداغستان ومجاهديهم، وأعظمهم شأناً وذكراً.
بل من أعظم مجاهدي الإسلام وأبطالهم المتأخرين في مضاء العزم، و حسن القيادة.
هو الشيخ شامل، ولد هذا
البطل في سنة1212ﻫ، وحارب الروس بادئ الأمر مدة عشر سنوات تحت لواء الغازي
منلا سلفه في القيادة والجهاد ضد الروس.

ثم تولى القيادة على جميع
مجاهدي الداغستان والشركس والشيشان. وصار على رأس قبضة من هؤلاء الجبليين
الأشداء يفتك بجيوش الروس المتدفقة بقيادة أعظم جنرالاتهم، وقد جرح
كثيراً، وأحيط به وكاد يؤسر مراراً وهو يعود إلى الكر والفر مدة عشرين سنة
متوالية، أقض بها مضاجع الروس المتكالبين بمنتهى الفظاعة والتوحش على
إطفاء جذوته وجذوة إخوانه الداغستان والشركس والشيشان.

حتى طارت شهرته، وحيرت
العالم المتمدن مقدرته. ويمثلون عنه في المسارح أدواراً. ولما ظهرت
السينما صاروا يضعون عنه أفلاماً مدهشة تصور أفعاله الخالدة الذكر.

وما زال حتى داهمته في سنة
1276ﻫ/1859م عدة فرق روسية، وأحدقت به في يوم اشتد ضبابه، فلم يستطع
الإفلات منها، كما سبق مراراً. فأسروه وحملوه إلى عاصمتهم بطرسبرغ. هناك
قابله القيصر أجمل مقابلة تقديراً لشجاعته.

توجه الأمير عام 1865م/1282ﻫ
إلى فرنسا. وقام برحلة قصيرة إلى انكلترا. قابل نابليون الثالث وطلب منه
التدخل لدى قيصر روسيا «ألكسندر» لإطلاق الأمير شامل من الأسر. وبعد أن
نجح عبد القادر في مسعاه هذا عاد إلى دمشق.

وهاجر الأمير شامل بعد ذلك إلى المدينة المنورة وجاور فيها إلى أن توفي سنة 1288ﻫ/1871م7.
عبد القادر لم يكن يسعى
ليحقق طموحات شخصية. ولكنه كان مؤمناً، وطنياً مخلصاً. لم يكن متعصباً
ولكنه كان تقياً ورعاً. هكذا وصفه «الجنرال أزان» أحد خصومه4.
ولد عام1223ﻫ/1808م وأمضى القسم الأول من حياته على رأس المجاهدين في
الجزائر. أسر في فرنسا من عام1264ﻫ/1847م إلى عام1269ﻫ/1852م. وأما القسم
الآخر فقضاه في دمشق حيث توفى عام1300ﻫ/1883م. دفن إلى جانب ضريح الشيخ
محي الدين بن عربي في صالحية دمشق ثم نقلت رفاته إلى الجزائر عام 1386ﻫ/
1966م. كان رجلاً عظيماً في الشطر الأول من حياته وكان رجلاً عظيماً في
شطرها الثاني أيضاً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.syriaroses.com
 
من أخبار الأمير عبد القادر في دمشق 1
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاتحاد العام الطلابي الحر :: وطني-
انتقل الى: